السيد علي عاشور
33
موسوعة أهل البيت ( ع )
وقال المفيد : لمّا وضع الرأس بين يديه جعل ينظر إليه ويتبسّم وبيده قضيب يضرب به ثناياه وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول اللّه شيخ كبير ، فقال : إرفع قضيبك عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيت شفتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عليها ما لا أحصيه ، ثمّ انتحب باكيا . فقال ابن زياد : أتبكي لفتح اللّه لولا أنّك شيخ كبير قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك فنهض زيد بن أرقم باكيا إلى منزله ، ثمّ أمر ابن زياد بنساء الحسين فحملوا إلى دار إلى جنب المسجد الأعظم فقالت زينب بنت عليّ : لا يدخلن علينا عربية إلّا أمّ ولد أو مملوكة فإنّهنّ سبينا ونحن قد سبين ، ثمّ أمر برأس الحسين عليه السّلام فطيف به في سكك الكوفة وفي ذلك قيل شعرا : رأس ابن بنت محمّد ووصيّه * للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجّع كحلت بمنظرك العيون عماية * واصمّ رزؤك كلّ أذن تسمع ما روضة إلّا تمنّت أنّها * لك حفرة ولخط قبرك مضجع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم يكن بك تهجع « 1 » ثمّ إنّ ابن زياد صعد المنبر وقال في بعض كلامه : الحمد للّه الذي أظهر الحقّ وأهله ونصر المؤمنين وأشياعه وقتل الكذّاب ابن الكذّاب . فقام إليه ابن عفيف الأزدي وكان من الشيعة ذهبت إحدى عينيه في يوم الجمل والأخرى يوم صفّين فقال : يا بن مرجانة إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه يا عدوّ اللّه تقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بهذا الكلام على المنابر ، قال : عليّ به ، فتبادرته الجلاوزة وأمر بقتله فقال : الحمد للّه ربّ العالمين أمّا إنّي قد كنت أسأل اللّه ربّي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك أمّك وأن يجعل ذلك على يدي ألعن خلقه ، فلمّا كفّ بصري يئست من الشهادة والآن الحمد للّه الذي رزقنيها بعد اليأس منها ، فقال ابن زياد لعنه الله : اضربوا عنقه فضربت عنقه وصلب في السبخة « 2 » . وقال المفيد : لمّا أصبح ابن زياد بعث برأس الحسين عليه السّلام فدير به في سكك الكوفة . فروي عن زيد بن أرقم أنّه لمّا مرّ به وهو على رمح وأنا في غرفة لي ، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً فوقف واللّه شعري وناديت رأسك واللّه يا بن رسول اللّه أعجب وأعجب ، ثمّ أنفذ برأس الحسين عليه السّلام وكتب إلى والي المدينة يبشّره بقتل الحسين فنادى في المدينة بقتله فلم يسمع بكاء قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين حين سمعوا النداء بقتله فدخل بعض موالي عبد اللّه بن جعفر الطيّار فنعى إليه ابنيه فاسترجع .
--> ( 1 ) البحار : 45 / 119 . ( 2 ) مقتل الحسين : 209 .